الإرهاب نجح في إختراق منظومة الأمن العالمي

0
638

كنت قد أَثرت في مقال سابق، تحت عنوان (هجمات باريس الإرهابية بين الخطّة “أ” والخطّة “ب”) المنشور بتاريخ 19 نوفمبر 2015، مسألة رأيت شخصيا، أنه يتوجب إعادة تفسيرها، والمُتمثلة أساسا في إعادة تعريف مفهوم “الإرهاب”، بالنظر إلى المُتغيّرات الكبيرة التي طرأت على مفهوم الإرهاب، والتي جعلت المجتمع الدولي يقف عاجزا برأيي عن إيجاد مفهوم موحّد للظاهرة الإرهابية، بسبب تضارب المصالح بين الدول الكبرى بالأساس.

كنت قد أوضحت بأنّ الإرهاب قد استطاع أن يقلب الموازين في الوقت الحالي، باعتبار أن المفهوم الكلاسيكي، كان يُعرّف الإرهاب بأنه “تقنية الضعيف ضدّ القويّ”، لكنّ العالم تفاجأ اليوم بأن الإرهاب تحوّل إلى تعريف جديد ومُفاجئ، هو “مواجهة القوي للضعيف”، فاليوم نرى جميعا أنّ أوروبا باتت ترتعد وترتعش من الإرهاب، وأنّ الإرهاب نجح في تأسيس دولته في العراق وسوريا “الدولة الإسلامية في العراق والشام” أي ما نصطلح عليه إيجازا ب”داعش”، فهذا الإرهاب الجديد، إنتقل اليوم إلى تقمّص أشكال جديدة للغاية لم نكن لنتصوّر حُدوثها على الإطلاق، بل إنه بات يُهدّد باندلاع حرب عالمية جديدة، خاصة بعد حادثة إسقاط تركيا لطائرة سوخوي 24 روسية فوق الأراضي السورية، بحجة أنها اخترقت الأجواء التركية بحسب التفسير التركي، والذي ردّت عليه السلطات الرّوسية متمثلة في قيصرها الجديد الرئيس بوتين، بأنها، أي الحادثة، تُمثل دعما مكشوفا ومفضوحا من قبل الرئيس أردوغان للإرهاب، لأنّ الطائرة الحربية الروسية كانت في مهمة

لمحاربة الإرهاب في الأجواء السورية.
لن أدخل في المناوشات التقنية التي ساقها الطرفان للتدليل على أنه كان هنالك إختراقا أم لا للأجواء التركية، لأنّ الأساس والمهم بالنسبة لي، هو أن الإرهاب قد نجح في إختراق منظومة الأمن العالمي هذه المرّة، وكاد يتسبّب في اندلاع حرب عالمية جديدة، لولا أن روسيا كانت لها رؤية مُتبصرة وعميقة لما يحدث في سوريا والعالم ككل، شأنها شأن الحلف الأطلسي الذي سارع الأتراك إلى الإستنجاد به، بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية، والذي خلص في اجتماعه إلى دعوة تركيا وروسيا إلى حل الأزمة بتعقّل، بل إن الولايات المتحدة الأمريكية التي تقود حلف الأطلسي، قالتها بصراحة، إن الحادث المذكور يخص روسيا وتركيا لا غير، ما يُفهم منه أن أمريكا قد غسَلت يديها من تركيا، وأنها لا تريد الإنجرار وراء “حماقة” أردوغان.

هو الموقف نفسه الذي عبّرت عنه القوى الكبرى في حلف النّاتو، كفرنسا وألمانيا وبريطانيا، والتي وصفت حادثة إسقاط الطائرة الروسية ب”الخطير”، ما يُفهم منه أن تركيا قد وقعت ربّما في “الفخّ”، وأن الغرب قد يُضحّي بها في أية لحظة، بل وأعمق من ذلك، يتوجّب أن نستحضر تصريحات العديد من القادة الأوروبيين والأمريكيين التي تُشير وتُؤكّد كلّها أن الإرهابيين الذين زرعوا الرعب في أوروبا، هم من الأوروبيين الذين انضمّوا إلى الإرهابيين في سوريا بعد مرورهم بتركيا، وهم اليوم يعودون إلى بلدانهم بعدما إكتسبوا خبرات قتالية كبيرة عبر تركيا دائما.
في هذه الحال، فتركيا تحوّلت بحسب ما يراه الأوربيون إلى معبر رئيسي للإرهاب، وهنا تتقاطع مواقف الأوروبيين بشكل غير مُباشر مع الطرح الروسي والسوري، الذي يتهم تركيا بدعم الجماعات

الإرهابية، وتسيير قوافل المُهاجرين التي يندس فيها الإرهابيون إلى أوروبا.
كان هذا حال تركيا التي راهنت على الأدوات الإرهابية لإسقاط النظام في سوريا… لكن لا يُمكن فهم حال تركيا دُونما الرجوع إلى الجهات التي ورّطتها في هذه المهمة “القذرة”، والتي تريد اليوم أن تُحمّلها كامل المسؤولية عمّا حدث ويحدث وسيحدث مستقبلا في أنحاء عديدة من العالم، وهي جهات معروفة للقاصي والدّاني، أي إنها الحلف الأطلسي بالأساس، ومن ورائه الصهاينة.

لكن حال بعض الأعراب سيكون أخطر بكثير من حال تركيا، لأنهم هم من موّل وسلّح الإرهابيين في سوريا وليبيا ومصر وتونس وغيرها، وهؤلاء الأعراب، هم اليوم غارقين في مستنقع آخر، هو المُستنقع اليمني، أو ما أصطلح عليه بالمستنقع الإحتياطي، فهذا المستنقع كما هو معلوم دخلته المملكة السعودية والإمارات وقطر على وجه التحديد، وانضمّ إليه مرتزقة من جهات عدّة، وهو اليوم يستنزف خيرات ومُدّخرات هذه الدّول، التي كانت ولا تزال تُشكّل رأس الحربة في العدوان على سوريا والعراق.

قد تتطلب منّي المنهجية التحليلية أن أسترسل في كيفيات دعم هذه الدول للإرهاب، لكن بصراحة كلّ المُتابعين لمسلسل “الربيع العربي” يعرفون بأدقّ التّفاصيل كيف أنّ دولا لا تعرف ليومنا هذا ما هو مفهوم “الدستور” و”الديموقراطية” و “الإنتخابات”، قد قادت حملة “الربيع العربي” لنشر الديموقراطية في ليبيا وسوريا والعراق واليمن ومصر …

الخلاصة برأيي، لا يمكن أن تكشف سوى أنّ تركيا بقيادة أردوغان الإخواني، وبعض مشيخات وإمارات ومملكات الخليج، قد قدّموا أنفسهم وخصومهم، قربانا للمشروع الصهيوأمريكي، لأنّهم وببساطة، وبجهل غير مسبوق، ركبوا صهوة الإرهاب لتغيير مُحيطهم، فانقلب عليهم المُحيط وحتّى الإرهاب، فمن جانبي لا أرى سوى أنّ الإرهابيين سينقلبون على مُوّظفيهم المُباشرين، لأنّ الإرهاب لا أصل ولا معرفة ولا حضارة له، وبالتالي سيأكُل صانعيه، أمّا من يُؤمن بالحضارة والتمدّن، فله المناعة كلّ المناعة، ليخرج سالما من “فخّ الإرهاب التكفيري”، وأعني هنا بالأساس، سوريا والعراق واليمن، والجزائر بصفتها كانت أكبر وأول دولة روّضت وحش الإرهاب وقضت عليه، بفضل وعي شعبها الذي دمّرَ كل البيئات الحاضنة للإرهاب.

عبد القادر حبيبي
محام وخريج معهد الدراسات الدبلوماسية والاستراتيجية بباريس