انحطاط العالم الإسلامي وصعود أروبا

18

تزامن انحطاط العالم الإسلامي مع نمو وصعود أوروبا و تمزق العراق و التهديدات التي تحاك ضد وحدة ليبيا و شبح تفكيك دول منطقة الساحل و تدمير المؤسسات و البنية التحتية المدنية و العسكرية و التسويس الاقتصادي و تفتيت ألحمة الوطنية و إبادة القيم المؤسسة للدول ماهي إلا تطبيق لبرنامج أو مخطط تم تصميمه من طرف الدول التي تقود هذا القرن.
لقد أدت الحركات الموضوعية داخل رقعة الشطرنج الكبرى و المتمثلة في الفضاء الجيوسياسي العالمي إلى هجمات جد قاسية (شرسة) و شاهدت بداية الألفية الثالثة ذات خطورة مؤكدة تقطيع أوصال العديد من الدول على غرار يوغوسلافيا. لم تصبح روسيا بلد التنوع العرقي و الديني نتيجة رياح تاريخية قوية تعاني إلى رغم من سقوط الإتحاد السوفياتي من تطويق تدريجي على الصعيد المالي، السياسي و العسكري من أجل خنق ولادة جديدة لقوة رائدة ؟
لم تواجه إيران محاولات مشتركة من خصومها للحد من طموحها لإتقان الطاقة النووية المدينة التي قد تضمن لها دور كقوة إقليمية؟ ذلك الدور الذي يجب أن ينحصر على إسرائيل دون غيرها.
إيران، هذا البلد الذي عان من حرب دموية في الثمانينات في مواجهة الجارة العراق. تلك الحرب التي غدتها الدول العربية و الهدف من ذلك هو إضعاف القدرة العسكرية لكلا البلدين و منعهما من “أحقية” القوة الناشئة في المنطقة. أما النتيجة فكانت ما يقارب من مليون قتيل ! .
الجدير بالذكر أنه لا توجد أهداف أخرى سوى السيطرة الكاملة على احتياطات الوقود الأحفوري “الحضرية” الذي أصبح كهاجس مرضي عند اللذين همهم الوحيد التولي ، مرة أخرى، على قيادة شؤون كوكبنا و تسيير العالم على مزاجهم باستعباد الشعوب من طرف أخرى.
يعتبر هذا كرجوع بأشكال أخرى إلى القرون 16 و 17 أو ما يسمى بالعصر الذهبي للاستعمار و النزعة التجارية و نهب الشعوب من خيراتها و الإبادة و استنزاف التربة من ثرواتها لتلبية مصالح الصناعات النهمة.
إن القاسم المشترك لهذه الغزوات التي هي عبارة عن فتوحات صليبية حقيقية التي غيرت شيئا فشيئا خريطة العالم هو إتخاذ طابع ديني تناوبا مع رغبته في التحكم و الإستلاء على الموارد الطبيعية من خلال السيطرة على المناطق التي تحتويها إلى جانب التحكم في مسارات أو طرق الصرف و التبادل.
خلال النصف الأول من القرن العشرين اقتصرت المرحلة الأولى على التحكم في تكنولوجيات الاستغلال و المعالجة و الاستهلاك ثم أصبحت الطاقة و امن الطاقة تدريجيا مصدر اهتمام و قلق كبير للقوى العظمى أثناء النصف الثاني منه و هي الآن في قلب كل الإستراتيجيات و سوف يكون بالتأكيد سبب لكل التغيرات المستقبلية في جميع أنحاء العالم.
يمكن القول أن هذا الظلم المتسلط من طرف “الأقوياء” الغربيين قد أدى إلى ظهور ما يسمى بالإسلام الراديكالي الذي تدعم و توطد في أفغانستان في الثمانينات بمساعدة أجهزة المخابرات الغربية و نحن نشاهد في السنوات الأخيرة تصعيد غير مسبوق للإسلاموفوبيا مع نبض “نظرية العدو المشترك “أي الخطر الإسلامي و الأخطر من ذلك عبور خط “روبيكون” بتشبيه الدين الإسلامي بالنازية !!!
إن الدول الإسلامية باستثناء تلك التي تحت حماية الولايات المتحدة معرضة لخطر الانهيار و الغرق و من بينها الجزائر، مصر، العراق، باكستان،اندونيسيا…
لقد راهنت المؤتمرات الكبرى للأمم المتحدة على وضع نظام دولي جديد و لكن فصلنا في الواقع، في نهاية المطاف، على جهاز عالمي منعش للتوترات المختلفة من الأغنياء و الفقراء التي تغذيها الشهية الغير “مشبعة” للشركات المتعددة الجنسيات تحت غطاء ديناميكية جديدة سميت بالعولمة و التدويل .
بعض التساؤلات تطرح نفسها: العالم العربي الإسلامي الذي استفاد و تباهى بفترة من التاريخ المعروفة بـ “العصر الذهبي الإسلامي” ألم يسمح من أن تسلب منه ذلك بتخليه عن المعارف التي تحصل عليها و طورها يجعل تلك الشعوب الأوروبية تستفيد من كل هذا، كونها استطاعت أن تحول و تثمن المفاهيم قصد تطوير تكنولوجيات جديدة كمصدر أساسي للتقدم؟
كما نحن في حاجة إلى طرح أسئلة على أنفسنا لأن وجاهته يكون لها بالضرورة أثر إيجابي و “مهدى” لبلدنا بالذات:
هل من المفيد المزيد من الدراما التي لا تزال قائمة تحت المسؤولية المباشرة للغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة؟ ومنها قضية فلسطين التي تعاني منذ 1917 وسببها حكومة بريطانيا برئاسة اللورد جيمس بلفور لتلبية التطلعات اليهودية والصهيونية بإنشاء على ارض فلسطين “وطن قومي للشعب اليهودي” ويعتبر هذا القرار الذي وافق عليه برلمان بلاده بمثابة بداية مأساة للشعب الفلسطيني التي تفاقمت بسبب بيان 15 ماي 1948 معلنا ولادة الدولة اليهودية تحت تسمية إسرائيل مع الاعتراف بحكم القانون من طرف الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي.
و بذلك يكون هذا الموقف “تحيزا أعمى” لأن هذا القرار المشئوم قابله إعلان فلسطين عن تشكيل حكومتهم بتاريخ 23 سبتمبر 1948 لكن لم يتم الاعتراف به حتى يومنا هذا بعد مرور 67 سنة !
مستقبلنا؟
إنه مرتبط لا محاله بتطور عالم اليوم.
دعونا نطرح هذا السؤال على أنفسنا: هل بلادنا، الجزائر، على استعداد لمواجهة تحديات القرن ؟ لأن التحديات متعددة و مترابطة.
هل يمكن أن تكون لنا شراكة إستراتيجية مع القوة الأولى في العالم خارج الأبعاد الأمنية ؟
هل يمكن أن نأمل في تقاسم رؤية جيوستراتيجية و إقامة تحالفات منظمة من أجل مواجهة القضايا و التحديات الرئيسية في العالم و العلاقات الدويلة ؟
إن تحدي الماء والأراضي والبيئة هو أكثر أهمية لأنه يجب ضمان الأمن الغذائي لـ 60 مليون جزائري مستقبلا بموارد مائية سوف تصبح أكثر ندرة وبأراضي لم تستغل بالقدر الكافي وحمايتها ضعيفة حاليا. لأن الشعب الذي يضمن لنفسه الاكتفاء الذاتي (الغذائي بالخصوص) يكون قادرا على مواجهات كل التحديات.
نحن نندهش لرؤية الغرب المتجانس تماما بالرغم من الخلافات الإنسانية الطبيعية و هو يملي و يفرض علينا وصفات للحكم و هو الذي خلق، على مرار الزمن، ملوك و رؤساء بعد أن فرضهم و ساندهم مانعا بذلك كل ممارسة تعبيرية و سياسية حرة.
يجب أن لا نخطر ! الكل يدافع عن مصالحه . و السؤال: من يدافع على مصالحنا نحن ؟ القوات الأجنبية تراقبنا و تحكم علينا من منضور مصالحها الخاصة . بالنسبة للجزائر، بلدنا، هناك ثلاثة عوامل تلفت انتباه شركائنا الأجانب الموقع الإستراتيجي في إفريقيا و البحر الأبيض المتوسط ، المصالح التجارية و احتياطات النقد و موارد النفط و الغاز لتزويد الأسواق الأوروبية.
و من هنا تظهر الحاجة الملحة لسياسة حقيقية انتقالية للطاقة برؤية بعيدة المدى بدل من الرسائل الدورية المهدئة أساسها الاستغلال الافتراضي للموارد الهيدروكربونية غير التقليدية.
يجب أن نفكر في منطق اقتصادي، تاريخي، ثقافي أفضل لتسهيل و تحقيق إدماج المغرب العربي مع ضرورة، تسطيح مؤسسي بين الدول الخمس (المغرب، موريتانيا، الجزائر، تونس و ليبيا) لكن هل ذلك من الممكن ؟ لأن الشرط المسبق هو الديمقراطية و هي أساس ضروري مشترك من أجل بناء هذا الإدماج.
إن الحل العادل و المنصف لمستقبل الصحراء الغربية تلك الشرط الشائك هو بمثابة لمحة عن بداية الإدماج و التكامل السياسي و الاقتصادي المنشود.
إن إفريقيا التي يعتبرها العديد من السياسيون قارة جديدة تلعب دور فعال مستقبلي هي الآن محل تنافس ما بين أقطار المغرب على حد سواء و البلدان الأسيوية و الغربية بشكل منفصل. فبدون وحدة المغرب العربي هل يمكن أن تكون لنا فرصة أو حظ أمام القوات الاقتصادية الموجودة في الساحة حاليا و على رأسها الصين ؟
و أخيرا هل نحن مضطرون أو محكوم علينا أن نبقى سجناء الأيديولوجية الشعبوية لشعار ” وان ، تو ، تري، فيفا لالجيري”.
سؤال أخر من هي الجزائر؟ هل هي التي تعتمد على نتيجة حدث أو مسابقة رياضية ؟
أو هي مطالبة حتميا بفرض وجودها في عالم ذو التطور المستمر حيث الضعيف هو فريسة الأقوى ؟ ، الجزائر التي حلم بها كبارنا (أبائنا و أجدادنا) و الذين دفعوا بحياتهم من أجل تحريرها أو جزائر الحاويات الأمن الغير الدائم والخضوع لبارونات جديدة و سلطة المال ؟ إن هدفنا ليس الانتقاد لكي ننتقد فقط بل للفت الانتباه لما هو أساسي لأن مسؤوليتنا السياسية تكمن في أن نجسد المثل و عدم السماح لأن تكون صورة بلدنا منحطة .
إن ناقوسات أحداث الساعة السياسية تفرض علينا إيجاد حلول دائمة لكي نتجنب الغرق و التدهور المستمر و الانحدار الاجتماعي. لا يمكن إن نقلل من أي خطر محتمل لأن التهديد يترصد رؤوسنا… السلم الاجتماعي متبخر و شراء الضمائر ليس هو الحل. لنختار التعبئة لمجتمعنا حول حكم عادل، جذاب نابع من مؤسسات ذات مصداقية تكون شرعيته الاختيار الحر و الديمقراطي الحقيقي لجماهير الأمة.
أثناء هذه السنوات الأخيرة كان لدي الوقت لملاحظة الزمن و الأحداث، زمن بلادنا و زمن شعبنا و الحاضر الذي عرف تغيرات مثيرة و مأساوية أحيانا. شاهدت حاضر الشبيبة التي خيبت أمالها و غمرها القلق رغم استعدادها لخوض المعركة. لاحظت اقتصادنا في تفكك مستمر و”المواطنة” في حالة سيئة . مؤسستنا أصبحت قديمة عفن عليها الزمن كما لحقت بألم التدهور و الاندثار لقيمنا العريقة المتمثلة في الأخوة و التضامن و استحضر الذي يعتبر الإسمنت الذي عزز الماضي القريب قواعد حياتنا.
أكيد أنه في صالحنا أن نجتنب كل ما يفرقنا بعبارة أخرى : الحماقات السياسية اليوم نشاهد خروج بعض “الحيوانات المفترسة” من الطراز الأخير و هي تريد أن تحتكر حب الوطن بكل حصرية إلى درجة أنها توعد البعض بالـ “إليزي” و الآخرين بالجحيم. تمنح شهادة الوطنية للبعض و الخيانة لبعض الأخر.
حاليا العالم كله يعرف الحدود و الغرور لتلك السلكات التي تنطوي على مفارقة تاريخية.
إن الإجابة السياسية تكمن في الاستثمار الفعلي والكامل في الحركة الجديدة والمجردة تماما من الخبث الدوري و التي هي راسخة جذورها في تطور الزمن، حاملة لمؤشرات حقيقية لتكون المحرك لبناء مجتمع الغد.
إن بناء الدولة الجزائرية مستمر في عالم جديد رسمته الخريطة السياسية التي فرضها الأقوياء. فمن صالحنا أن نعزز مؤسستنا من خلال اشتراك شعبنا بالإلزام و التأييد التام و ذلك شرط أساسيي لضمان استقرار تلك المؤسسات و حيويتها و مصدقتيها من أجل الوجود و التكيف مع متطلبات عالم متقلب.
اليوم يتوقع الكثيرون نظام سياسي قادر على تجسيد الرغبة في الديمقراطية الحقيقية و
التقدم الاجتماعي ليس بكلمات فقط بعبارة أخرى، جمهورية مجسدة للإرادة الشعبية أي دولة عادلة و متوازنة لأن بالمضاهاة يمكن تعبئة الطاقات و استيقاظ القناعات و خلق الدوافع الوطنية.
كريم يونس