حكاية المآذن التي ارتفعت فانهدم الإسلام

16

عتبر أمرُ بناء المآذن من الأمورِ القليلة التي اتفقَ عليها المؤرّخون بأنّها من صنع الأمويّين وأنّه حتّى استشهاد الإمام عليّ لم تعلُ على المحراب أيّة مئذنة …
والحقيقة أنّه ومنذ أقدم العصور كان أحد طرق تقديس دور العبادة بأن لا يعلو عليها بناء .. وعلى هذا الأمر تمّ تشييد زقّورات الرافدين وبرج بابل والهرم الأكبر والمعابد والصوامع والبيَع والكنائس القديمة … ولمّ يشذّ عن هذا التقديس المُتّبع إلاّ بناءُ المآذن الأمويّة ..
ولكنّ المؤرّخين لم يخبرونا عن السبب الذي بُنِيَت لأجله المآذن في الإسلام , ولم يقدحوا شرار عبقريّتهم في تقصّيه كما فعلوا في الخلافات والفتن المذهبية والطائفيّة …
الحقيقة التي لم يقُلْها المؤرّخون هي أنّ بناء المآذن رافق أمر الخليفة الأموي معاوية بن ابي سفيان بلعن الإمام عليّ واتخاذه سنّةً يربو عليها الصغير ويهرم عليها الكبير حتّى لا يذكر لهُ ذاكرٌ فضلاً … حتّى كانَ أكثر من سبعين ألف مئذنة تلعن عليّاً خمسَ مرّاتٍ في اليوم على الأقلّ … وخلال أكثر من أربعين سنة على هذه السنّة “الأمويّة” وما رافقها من قتل وتصفية الصحابة والقرّاء والمحدثين والموالين لآل البيت أوالمعارضين للبيت الأموي من اي انتماء … فإنّ جيلاً كاملاً نشأ وترعرع تحتَ رايات هذه السنّة الأمويّة حتّى صارت من البديهيّات في دين الإسلام ..
وقد كانَ لعمرو بن العاص دورٌ محوريٌّ في نشر هذه السنّة في مصر سيّما بعد نجاحه في تأليب الناس على واليها محمّد بن أبي بكر بتهمة ضلوعه في قتل عثمان حتّى أحرقوه في جوف حمار …
وأكمل زياد ابن أبيه مافعله عمرو من قمع للمعارضين ومعاقبتهم بقسوة (……..)
لكي نستطيع فهم كيفيّة تحريف وتزوير التاريخ الذي وصل إلينا برائحته النتنة التي يتباهى بها التكفيريّون وشاربو بول البعير , علينا معرفة تخيّل كيف كانت عليه حال العرب والمسلمين في تلك الحقبة التي امتدّت أياديها السوداء ومخالبها الحمراء إلى التراث المسيحيّ والصابئيّ أيضاً , ولم يسلم منها إلاّ تراثُ كعب الأحبار وتكيّته التي يتعبّد فيها كهنة السلطان …
وعندما استولى العباسيون على الحكم لم يجدوا أفضل من هذا التراث لإبعاد أخطر منافسيهم عن كرسيّ الملك العقيم , فتابعوه واستقدموا عباقرة قزوين وبخارى وخراسان ليصدّقوا هذا التراث المكذوب ويمهروه بحوافرهم …
حاول الأمويون جهدهم لزرع بغض عليّ في صدور أهل العراق , فدسّوا في خطبه أقذع الشتائم بحقّهم وجندّوا الرواة والقصّاصين … فلم يُفلحوا
ويمكننا تتبّع أثر الأحاديث المتفق عليها لندرك أن من وضعها إنّما جعلها كالطعم الذي يربط بالسنارة لاصطياد الفرائس …
أغلب الأحاديث التي يستشهد بها الشيعة في الاحتجاج على السنّة وضع الأمويون نظيرها للشيخين .. وهذا يجعل الصراع إلى ما لانهاية …
هذه الطريقة اتبعها الغرب في الصراع العربي اليهودي على فلسطين بما يضمن هلاك الطرفين , ولم يكن قتل رابين إلاّ بأمر الغرب الذي لا يريد لهذا الصراع أن ينتهي قبل تحقيق أهدافه …
إنّ من يُحاول أن ينسب الأمويين إلى أيّ طرف مسلم فكأنّما يريدُ أن يشرب الماء من يحموم النار …
مشكلة الأمويّين ليست فقط في الأحقاد الجاهلية وثاراتها الحمقاء بسبب ما فعله سيف عليّ بالمشركين من آبائهم وجدودهم أيّام حربهم على الدّين الجديد , وإنّما مشكلتهم الأساسيّة مع كتاب هذا الدين إذ يُسمّيهم في موقع الوصف والنعت (…..) ( وهو الذي كفّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطنِ مكّة من بعدِ أن أظفركم عليهم وكانَ الله بما تعملون بصيرا * هم الذين كفروا وصدّوكم عن المسجد الحرام والهدْيَ معكوفاً أن يبلغَ محلَّهُ ولولا رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرّةٌ بغير علمٍ ليُدخلَ اللهُ في رحمتهِ من يشاء .. ) الفتح 24/25 ..
بعض أهل الشام يعتقدون أنّ نسبهم يعود إلى بني أميّة , ويقودهم هذا الاعتقاد إلى التعصّب لهذا النسب والدفاع عنه وكاّنّهم يدافعون عن أنفسهم …
والحقيقة أنّ هذا الأمر من سابع المستحيلات أيّاً تكن وثائق وشهادات الميلاد , لأنّ العباسيّين قطعوا هذه الشجرة من الشام واستخرجوا جذورها وأحرقوها ونثروها لتذروها الرياح … حتّى عظام الموتى لم تسلم منهم … ولم تقم بعد ذلك أيّة صلات بين الأمويين الفارّين إلى الأندلس مع أهل الشام طيلة القرون العباسيّة المديدة ..
ولكنّنا نستطيع أن نردّ هذه الظاهرة إلى الحقبة العثمانية التي أجازت الخلافة للموالي وحاربت كلّ ما يمتّ بصلة القرابة إلى الرسول بما في ذلك صِلات العباسيّين الذين ينتسبونَ إلى عمّ الرسول , وعلى الأرجح فإنّه تمّ إنعاش الذاكرة الأمويّة على أيدي العثمانيّين الذين لن يروقَ لهم نهوض أيّ مزاج موالي للرسول بصلة القرابة التي نصّ على مودّتها كتاب الإسلام …
ويمكننا ترجيح هذا السلوك العثماني برصد ظاهرة مرتبطة به , تمّت إشاعتها في أوساط سكّان الجبال الساحليّة في سوريّة …
فالحاميات العثمانيّة التي رافقت الولاة واستوطنت في سوريّة تحوّلت إلى جيوب تركمانيّة تمّ رصفها بعناية لتكون على طريق الحجّ الذي يسلكه سلاطين بني عثمان كلّ عام , ومع هزيمة السلطنة وتفكّكها في الحرب العالمية الأولى وخروج الأتراك من البلاد العربيّة , ولحماية تلك الجيوب والحفاظ عليها لاستخدامها مستقبلاً , تفتّقت حيلة الأتراك , وبرعايةٍ صهيونيّة أتاتوركيّة , عن وثيقة نسبوها كوصيّة لوالدة السلطان سليم (ليونا اليهوديّة) , توصي ابنها السلطان برفع سيفه عن العلويّين الموالين لآل البيت ( وهم الأغلبية في المناطق التي تمدّدت فيها الجيوب التركمانيّة على امتداد الساحل السوريّ ) وأن يعمد إلى تهجيرهم إلى داخل تركيّا واستخدامهم في أعمال السخرة وفي حروب السلطان , وأن يلاحق المتمرّدين منهم على أوامره بتهمة ( تارك إيمان ) , وأن يزرع الفتنة والتفرقة الاجتماعية والعشائرية بينهم ليقتتلوا حتّى يهلكوا …
وقد سبق ظهور وتداول هذه الوثيقة انتشار فكرة أعظم خبثاً ودهاءً بين أهالي الجبال الساحلية , وهي أنّ السلطان سليم قتلهم في حلب وهجّرهم إلى تلك الجبال الوعرة لتأكلهم الوحوش , ولكنّهم تغلّبوا على الوحوش وعمّروا تلك الجبال الحصينة وسكنوها , وقد راقت هذه المأثرة الماكرة عقول الناس وتداولوها كمفخرة عظيمة حتّى باتوا يتداولونها كإرث عظيم , دونَ أن ينتبهوا أنّهم أهل تلك الجبال وسكّانها قبل آلاف السنين من وجود السلطان السليم ووالدته ليونا , ودون أن ينتبهوا بأنّهم برؤوا السلطان سليم من مجازر الإبادة الجماعية التي ارتكبها بحقّ الحلبيّين بمختلف طوائفهم , فهذا السلطان الجائر لم يهجّر أحداً من حلب وإنّما نجا من مجازره أفرادٌ قلائل لجؤوا إلى أقاربهم وذويهم في تلك الجبال .
وبالفعل فقد تمّ احتضان الجيوب التركمانيّة بعين الشفقة والعطف , وصارت مأثرة التغلّب على الوحوش في تلك الجبال أعظم مفاخر القوم على الرغم من أبجدية أوغاريت ورأس شمرا وآية الفلك العظيم التي جابت البحار والمحيطات قبل آلاف السنين , وعلى الرغم من أنهم قرعوا النواقيس لألف سنة قبل أن يذروا البيع والشراء في يوم الجمعة , وسقط منهم عشرات آلاف الشهداء في معارك تحرير البلاد والعباد من احتلال الفرنجة قبل أكثر من ألفي سنة من ولادة السلطان سليم وأمّه ليونا … ولم يخطر ببالهم أن يسألوا أضرحة أجدادهم ويقرؤوا تاريخ أحجارها التي تحملُ من الوعي والرشد أكثر بكثير ممّا تحمله رؤوسهم المثقلة بكبّار مكر الماكرين …
إنّ تكامل الأهداف بين وصيّة ليونا وتلك الشائعة الوحشيّة , تكشف مدى الخبث والمكر والحقد الذي تعامل معنا به أعداؤنا مُقابل سذاجتنا البلهاء في تلقّف طعمه السامّ والوقوع في شباك أهدافه القريبة والبعيدة دون أن يكونَ لدينا أدنى استعدادٍ للتعلّم من الأخطاء والمصائد المُتكرّرة …
هذا ليس طعنا بأهل الشام ولا بالتركمان ولا بأهل الجبال الساحليّة , وإنّما هي تذكرةٌ بخبث الأعداء , ودعوةٌ لدفن التعصّب ورفع راية العقل والمنطق العلميّ في التعامل مع مختلف قضايا الحياة …
نحنُ اليوم نقف على أبواب بناء مستقبل جديد ومن العار أن نبدأ قبل دفن معاصينا وأخطائنا والاستغفار من هذا التراب الذي ينوء بحملنا وحمل مآسينا , حتّى إذا توضّأنا بحبّاته المباركة حنا علينا حنوّ الأبِ الشفوق …
ثمّ إنّنا لا نريد نسباً أشرفَ من الانتساب إلى هذا التراب لئلاّ ينهضَ زيادُ ابنُ أبيه آخر ..
إنّه استغفارٌ يجُبُّ ما قبلَهُ , ولكنّه لن يحرم الأجيال الآتية من حقّ العِظة والاعتبار

نارام سرجون