ربيع الخراب … الجزائر كانت على حق !

16

أربع سنوات تقريبا تمر على انطلاق تلك الانتفاضات التي كان يسميها البعض ثورات و البعض الآخر كان يرى فيها مؤامرات و آخرون قالوا أنه جنون و نوع من ” فش الغيط “أصاب مجتمعاتنا
المقموعة و المظلومة لأزمنة طويلة  فولّد ذلك الانفجار الهائل الذي أتى على الأخضر و اليابس في صورة عبثية لم يكن لها أي هدف سوى الصراخ وسط انعدام كامل لقادة مستنيرين  و لقاعدة فكرية تنويرية و لمشروع مجتمع عصري , الجميع كان يصرخ و يبارك و يكبّر , المهم بالنسبة لهم هو أن يتحدوا لاسقاط ذلك الدكتاتور الذي تحول الى شبه اله و يقولوا له أنه ليس اله ليشعروا بعدها بنوع من البطولة والراحة النفسية و لو لفترة محدودة ثم القيام بتخريب تركة ذلك الدكتاتور حتى الايجابية منها.. وفقط !

لم يتساءل أغلب من صرخوا في وجه (الديكتاتور- الاله) سؤالا جوهريا و استباقيا لكل فعل ثوري حقيقي … ثم ماذا بعد ؟  و السبب كما سبق و قلنا يعود الى انعدام تلك القاعدة التنويرية التي تحتاج الى فترات طويلة من النضال الفكري يقوده مفكرون و فلاسفة و قادة ثوريون حقيقيون و ليس دجالون “مُكبّرون” و ظلاميون رجعيون استغلوا صرخة الشعوب من الألم و حوّلوها الى ” تكبير” لطائرات الناتو و الى انتحار و تهديد بانقراض شعوب و طوائف و دول بأكملها و هذا ما يحدث بالضبط الآن و الحصيلة يمكننا ملاحظتها بالعين المجردة !

نتذكر جميعا تلك الحمى التي أصابت الجميع في منطقة الشرق الاوسط و شمال افريقيا دولا و شعوبا عند بداية (ربيع الجنون ) , صارت “مودة ” شعبية ان تعلن دعمك غير المشروط لما كانوا يسمونه ثورات و الويل لمن يحاول الانتقاد أو التحذير من الكارثة التي ستحل على الشعوب و الدول اذا تواصل الجنون بهذه الطريقة , سيتم اتهامه بالعمالة و موالاة المستبدين و حتى … الكفر !

حالة فريدة و وحيدة و مختلفة ظهرت في تلك الفترة في وسط بحر متلاطم من الصراخ و الركض نحو المجهول , الديبلوماسية الجزائرية اثبتت في تلك الفترة صبرا و مقاومة و تحديا غير عادي لتلك “المودة” , رغم التهديدات و المساومات و الاتهامات , جميعنا يتذكر خرجات بعض عملاء الناتو في ليبيا الذين أوصلوا ليبيا “الثورة” الى ما هي عليه الآن ثم عادوا بعدها الى اقاماتهم في لندن و الدوحة و اتهاماتهم للجزائر بدعم القذافي و بارسال مرتزقة و طائرات و التي لازال العالم لحد الآن ينتظر (البراهين الدامغة) التي كانوا يتحدثون عنها , متناسين ربما أن القذافي كان يسبب الصداع للجزائر أكثر مما كان يسببه لليبيا , بسبب بعض تصرفاته في الصحراء و دعمه لانشاء دولة للطوارق بالاضافة الى علاقاته المشبوهة و دعمه ببعض الحركات السياسية و الأحزاب الجزائرية , الجزائر كانت أول من سيستفيد من سقوط القذافي , ولكن ليس بلك الطريقة العبثية التي تمت  !

المقاربة الجزائرية كانت مبنية على قواعد علمية و استراتيجية و سياسية و معرفة تامة و كاملة للمنطقة و كل ما حذرت منه يومها من انتشار للسلاح و للجماعات الارهابية يحدث الآن حرفيا و قد تأكد ذلك في عملية تيغنتورين الارهابية التي كادت تقضي على مركب غازي يُنتج أكثر من 20 بالمائة من الانتاج الغازي الجزائري  و الجميع يعرف من اين جاءت تلك الجماعة الارهابية و أي نوع من السلاح كانت تستعمل , بدون الحديث عن الأزمة المالية و التي كانت نتيجة للفوضى (الغير خلاقة ) في ليبيا و ازمة الديبلوماسيين المختطفين و الذين دفع بعضهم الثمن بحياته !

و الغريب في الامر , أن نفس القوى السياسية المتقاتلة في ليبيا الآن و التي كانت تتهم الجزائر سابقا هي نفسها التي صارت تدعو الجزائر اليوم للتدخل كوسيط لحل الأزمة و هو ما سيتم فعلا في الايام المقبلة باستضافة العاصمة الجزائرية للحوار الليبي لانقاذ ما يمكن انقاذه قبل أن تتحول ليبيا الى صومال حقيقية !

نفس الموقف تبنته الجزائر من الأزمة السورية , حيث اظهرت موقفا ثابتا و صلبا مبني على عقيدة سياسية و ليس مصالح آنية و في كل المحافل الدولية من الجامعة العربية الى الأمم المتحدة جعلتها تتعرض لتهديدات حتى من (النعجة) الذي قال لوزير الخارجية الجزائري في أحد الاجتماعات أن الدور سيكون على الجزائر اذا لم تغيّر موقفها من (الربيع) و قد اعترف الوزير الأول الجزائري بهذا المخطط منذ أيام فقط , و اثبتت السنين و الأحداث أيضا صحة الموقف الجزائري في القضية السورية و لن ندخل في التفاصيل لأنها ستحتاج لصفحات طويلة لتحليلها و لكن يكفي فقط ملاحظة النتائج !

الحالة التونسية كانت ربما الأكثر هدوءا لحد الآن و لم تعرف نفس (الجنون الربيعي) لأسباب عديدة تتعلق بالمجتمع التونسي و بظروف خارجية جنبتها السقوط  في الهاوية , لعل أبرزها ذلك الدعم غير المشروط الذي قدمته الجزائر لتونس ماليا و سياسيا لاضعاف النفوذ القطري المُخرب للدول مبدئيا و النفوذ و الضغوطات التي مارستها على حركة النهضة و زعيمها راشد الغنوشي الذي أصبح كثير التردد على بوتفليقة , و قد نجحت في ذلك لحد بعيد و جنبت البلدين تهديدا خطيرا كان مُحضرا له في دوائر “ربيعية” معروفة .

علينا أيضا أن نوضح أمرا يبدو أن الكثير قد وقعوا فيه , فحديثنا عن فعالية الديبلوماسة الجزائرية و مواقفها المشرفة و الثابتة لا يعني ولاءنا للنظام حتى لا يتهمنا البعض من بقايا (الربيع) الذين غيّر اغلبهم مواقفهم , يجب التفريق بين عقيدة الدولة الجزائرية الديبلوماسية و السياسية المعروفة و بين السلطة و النظام , فالعقيدة السياسية و حتى العسكرية للجزائر ثابتة و مبنية على مباديء و استراتيجيات على المدى الطويل و لا علاقة بالنظام و لا بمن هم في السلطة …

بقلم : نايت الصغير عبد الرزاق

كاتب و مدون جزائري

nait-abder