سياسة ترامب: ‘الرِّقّة المهولة‘: برونو غيغ- ترجمة: علي إبراهيم

8
منذ أن تمت عملية البتر للمستشارين غير النموذجيين- مايكل فلين وستيف بانون- في فريقه، والرئيس الذي استلم المنصب بتاريخ 20 كانون الثاني في حالة دوران حر. تبين أن “أسلوب ترامب” في العلاقات الدولية ليس أكثر من كلامٍ منمق. شخصية فظة، زرع الغموض بقوله الشيء وعكسه فتسبب بالخيبة للكثيرين وفاجأ الجميع. اليوم انتهى ذلك. لقد نزع الرئيس الأميركي القناع بعد بضعة أيام من انتقاله إلى الفعل على كل الجبهات.
الجبهة الأولى، سوريا، حيث الدولة السيدة التي تقاوم منذ سنة 2011 والتي كانت في حالة الهجوم على الميليشيات الظلامية المسلحة من قبل المخابرات المركزية الأميركية. بقصفه قاعدة الشعيرات الجوية السورية، تجاوز البيت الأبيض الخط الأحمر. إنها المرة الأولى التي تلجأ فيها الولايات المتحدة إلى التدخل العسكري المباشر وتعلن عنه ضد الدولة السورية. إن هذا الانتهاك الفاضح للقانون الدولي، بالإضافة إلى تقديمه المساعدة القوية لإرهابيي “داعش” فإنه يعتبر تحدياً للحليف القوي لدمشق، روسيا. إنه يهدد بإشعال مجابهة مسلحة قال عنها رئيس الوزراء الروسي ميدفيديف إنها كادت تقع وكانت على “بعد شعرة”.
الجبهة الثانية، كوريا الشمالية. بصفته تابعاً لاستراتيجية شاملة قام دونالد ترامب بإرسال وحدة من القوات البحرية باتجاه شبه الجزيرة الكورية وهدد كوريا الشمالية برد انتقامي إذا واصلت تطوير التكنولوجيا العسكرية. منذ زمن بعيد والمؤسسة الحاكمة الأميركية تحلم بضربة وقائية ضد المواقع النووية الكورية الشمالية، من أجل منع هذا البلد من حيازة القدرات الصاروخية الباليستية. أعلنت بيونغ يانغ أنه في حال المغامرة بتوجيه ضربة ضدها فإن الرد الكوري الشمالي سيكون مدمراً.
الجبهة الثالثة، أفغانستان. بعد أسبوع على قصف قاعدة الشعيرات السورية، قامت الولايات المتحدة بإلقاء “أم القنابل”، بتاريخ 13 نيسان، على مواقع قيل إنها تابعة لـ”داعش”. تم اتخاذ “داعش”، غير المتواجدة بشكل كبير في أفغانستان، ذريعة من أجل هذا الاستعراض للقوة. أراد الرئيس الملياردير، مدفوعاً من الدولة العميقة، إظهار أن يده لا ترتجف. إن اختيار القنبلة GBU43/B ليس صدفة. إنها السلاح التقليدي الأقوى الذي تمتلكه واشنطن. وإن تجربة هذا السلاح تعني أن الولايات المتحدة مستعدة للضرب بكل قوة، دون المخاطرة بتصعيد نووي. لم يتبقّ سوى تحديد الأهداف القادمة. تم تصنيع هذا السلاح المرعب الذي يبلغ وزنه تسعة أطنان سنة 2003 ولم يتم استعماله. لقد فعلها دونالد ترامب. جوهرة صناعة السلاح  التي تمتلك الكلمة العليا في واشنطن، خرجت أخيراً من المستودعات وحولت الجبال الأفغانية إلى فتات وسط تهليل المساهمين في اللوبي العسكري- الصناعي. بحسب الكلام الرسمي كان الهدف تدمير أنفاق تحت الأرض يستخدمها الجهاديون في منطقة نانغارهار. أما الحقيقة فالهدف توجيه رسالة حادة ذات طابع أميركي- شمالي إلى الجارة إيران، وإلى كوريا الشمالية العنيدة، وإلى سوريا المقاومة بعناد، وبشكل غير مباشر، بالطبع، إلى روسيا التي تتجرأ على مقارعة واشنطن. إن شعار سياسة ترامب هو “الرِّقّة المهولة”.
بحسب إدوارد سنودن، كان الهدف من هذه العملية طمس كل الآثار التي قد تدل على المنشآت السرية التي أنشأتها المخابرات المركزية الأميركية، خلال سنوات 1980، لصالح المجاهدين الذين كانوا يقاتلون الشيطان السوفييتي. إنه احتمال قويّ ولا يتناقض مع  الأهداف السابقة. بالإجمال فإن هذه الإشارات العسكرية الأميركية بدأت تثير القلق الجدي. في سوريا، هنالك احتمال بأن تكون الدفاعات الجوية أسقطت 36 من أصل 59 صاروخاً تم إطلاقها من سفينتين حربيتين أميركيتين، ولكن لا دمشق ولا موسكو قامت بجلاء الأمر. ومن جانب آخر فإن الصحافة الروسية قامت بالشرح المطول للأسباب التي دفعت موسكو، الراغبة  بتفادي كل أنواع التصعيد، إلى عدم الرد على هذا العدوان ضد حليفها السوري.
لكن القيادة العسكرية المشتركة السورية- الروسية- الإيرانية نشرت بياناً لا يترك مجالاً للشك حول نية هذا التحالف العسكري بالرد، بطريقة أو بأخرى، في حال أعادت واشنطن الكرّة. إن استفزاز الخصوم بشكل متكرر، ينتهي إلى تحويلهم إلى أعداء، ويبدو أن البيت الأبيض قد قرر مضاعفة أعدائه بموقفه العدواني. يجب علينا قياس أهمية الخطر الذي يحوم فوق رؤوسنا نظراً لذكاء الأشخاص الذين يحتلون المواقع الاستراتيجية. فبحسب شين سبيسر، الناطق باسم البيت الأبيض، إن “الأسد أسوأ من هتلر لأن هتلر لم يستعمل  الأسلحة الكيماوية”. إن إدارة ترامب، تبدو وكأنها خليط من فابيوس وفوريسون (أكاديمي فرنسي-بريطاني من منكري المحرقة اليهودية- إضافة من المترجم). إن عاصفة من خفة الدم تنشر تياراتها على “البيت الأبيض”!
للأسف، إنها حماقة إعلامية وتجتاز المحيط الأطلسي بسهولة. في الوقت الذي يهدد فيه “محبو القنابل” في واشنطن السلام الدولي، لازال بعض المرشحين للرئاسة الفرنسية أن من واجبهم تشويه سمعة بشار الأسد. إن ما يفعلونه، بسبب شللهم أمام الاتهامات المثيرة للسخرية التي توجهها الإدارة الأميركية للرئيس السوري، يجعل منه، المتهم، الذي يهدد البشرية بنزواته الحربية، وليس من يقوم باتهامه، أي ذاك الرئيس الأميركي الذي يحتفل بفرحٍ لقدرته على استخدام الأسلحة التي قدمتها له صناعة الموت المزدهرة أكثر من أي وقت مضى.
15 نيسان 2017
المصدر:
 http://www.mondialisation.ca/la-politique-de-trump-cest-colossale-finesse/5585025