صراع الأحلاف وسيناريوهات الحلّ في سوريا

26

بعد مرور أسبوع على التدخل العسكري الجوي في سوريا، والإعلان عن قيام غرفة تنسيق مخابراتية بين روسيا وإيران والعراق وسوريا، وبعد العويل والصياح التركي والخليجي والأمريكي والغربي وحتى الإسرائيلي الذي صاحب هذا التدخل الروسي المُباشر في سوريا، يتوجّب استقراء ما قد يحدث في منطقة الشرق الأوسط ككل، لأن “الحلف” الرباعي المتكون من روسيا والعراق وسوريا وإيران، أعلن بشكل عملياتي أنه متوحد في محاربة الإرهاب، بشتّى مُسمّياته، وبالمُقابل، هنالك حلف تقوده أمريكا يتشكل من 60 دولة على المستوى النظري، أعلن هو الآخر مُحاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وانطلق في ذلك منذ حوالي 14 شهر، واليوم وبسبب الخلاف حول إستراتيجية مُحاربة “الإرهاب”، قد تنزلق المنطقة إلى ما هو أخطر من الخطر الداعشي.

هذا التوتر الحاصل اليوم، يُعرّي بشكل جلي الإستراتيجيات التي تخفّت وراء مُحاربة “داعش” لتمزيق منطقة الشرق الأوسط وبسط الهيمنة عليها من قبل الولايات المتحدة وحُلفائها، لفرض واقع دولي جديد، لا يُبقي أي نُفوذ لروسيا ومعها الصين في المنطقة، الأمر الذي ستترتّب عنه انعكاسات إقتصادية كبيرة، ستُقزّم دور الدولتين في المنظومة الإقتصادية العالمية من جهة، ولرُبّما تُلغي وزنهما في صنع القرار الدولي مُستقبلا.
أقول ذلك لأن كلا من روسيا والصين استعملتا “فيتو” مزدوج لمنع تمرير قرار بمجلس الأمن يُبيح استعمال القوة ضد سوريا، وهذا برأيي شكّل بداية كشف الصراع الدولي بين أمريكا والغرب من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، لكن العارفين بميكانيزمات الدبلوماسية الروسية والصينية، يَعُون جيّدا أنهما لا تنفعلان بسرعة، وأنهما أي روسيا والصين تتركان الخصم يستنفد كلّ أوراقه حتى تتحرّكان، وقد يتحرّكان انطلاقا من نقاط تقاطع مع غرمائهما، وهذا ما حصل بالفعل.

فروسيا اليوم تدخّلت في سوريا بهدف مُحاربة “داعش” وهو ما سبقتها إليه أمريكا وحلفائها، لكن بهدف إستعمال “داعش” كفزّاعة لتحقيق مصالحها لا غير، فداعش إمتد اليوم ليصل منطقة شمال إفريقيا في عز الحملة الأمريكية عليه، ولن أخوض كثيرا في تحليل قضية من استفاد من المدّ الداعشي، لأن غالبية المتتبعين يُجمعون على أنّ داعش هي صناعة أمريكية سعودية بامتياز، لكن ما يَهُمّني هنا، هو أن هذا المنتوج المعروض في “ساحة الرّمي” قد يُشكّل الفتيل الحقيقي لإشعال المنطقة والعالم ككل.

أقول إشعال المنطقة، من مُنطلق أن الحرب المُقبلة على داعش سترتكز على الهجوم البري لدول التحالف الرّباعي، التي يُدعمها حزب الله في لبنان، وقد تنضم إليه الصين، التي هي على قناعة بأن فشل روسيا في سوريا والعراق مستقبلا، سيجعلها تحت رحمة الأمريكيين فيما يتعلّق بالحصول على مواردها من الطاقة، والتي تتضاعف من سنة لأخرى، وهذا ما سيمنع تحقق الحلم الصيني بأن تكون أول قوة إقتصادية في العالم بحلول سنة 2020.
سأذهب بعيدا في طرح الفرضيات، دونما إصدار أحكام جُزافية، فلو إفترضنا أن الحرب على الإرهاب من قبل التحالف الرباعي المدعوم من الصين وحزب الله، اتجهت بعيدا بما يُزعج أمريكا وحلفائها، فهل يُمكن أن نتصوّر بأن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها سيُعلنون الحرب على هذا الحلف؟

الجواب بكلّ تأكيد هو أن ما تبقّى لأمريكا اليوم، هو التفاوض مع روسيا للحفاظ على مصالحها في المنطقة لا غير، وأكثر من ذلك فإن أمريكا قد تُضحي ببعض حلفائها في المنطقة لتحقيق هدفها، وأعني هنا المملكة السعودية، التي ستُشكّل الملجأ الرئيسي الذي سيفرّ إليه الإرهابيون، بالإضافة إلى الأردن، بحكم المعطيات الجغرافية من جهة، وبحكم أن كلاهما شكّل قاعدة إنطلاق الإرهابيين باتجاه العراق وسوريا، وهنا لا أستثني تركيا كذلك، فقد راهنت على ورقة “داعش” لإسقاط نظام الأسد، ولا أستبعد أن يكون لها نصيبها الوافر من هجرة وفرار الإرهابيين إليها هي كذلك.

هذه الفرضيات ترتكز على قيام هجوم بري للحلف الرباعي المدعوم من الصين وحزب الله، أمّا إذا نحن افترضنا أن الحلف الأمريكي سينخرط في معركة ضد هذا الحلف، فهنا يجب قراءة خريطة المنطقة ككل، فأمريكا ليس لها من مكان لتجميع قواتها وقوات حلفائها البرية في هذه المنطقة سوى تركيا أو السعودية أو الأردن، وفي حال قيامها بذلك، تكون قد أعطت إشارة الحرب على حليفها الإستراتيجي، المتمثل في الكيان الصهيوني، الذي لن يقوى على اللّعب بحرية كما كان يفعل في وقت سابق، وأكثر من ذلك كله، فإن العامل الجغرافي ستكون له الكلمة الفصل، لأن روسيا تتواجد الآن في قلب الدول المعنية بمُحاربة داعش، أي العراق وسوريا، وستستفيد بالضرورة من قُدرات جيشهما وداعميهما من حشود شعبية ومُقاومة، وستكون ممسكة بتفاصيل الجغرافيا في هذين البلدين، إضافة إلى أنها ستتلقى الدعم من الصين التي تملك أكبر جيش في العالم، وإيران التي تتحكم بشكل كامل في الحركة البحرية بمضيق هرمز، الشريان الرئيسي لتصدير النفط في العالم، والتي تتوفر اليوم على قُدرات عسكرية هائلة للغاية، تُظاهي قُدرات الدول العظمى.

أمام إمكانيات الحلف الرّباعي الذي سيستفيد من الدعم الصيني، والموقع الجغرافي، لا أظن أن حلف شمال الأطلسي، وعلى رأسه أمريكا، سيُقامر ويُغامر لتغيير المُعادلة الإستراتيجية الصعبة، لأن أي تحرّك في هذا الإتجاه، ستدفع فاتورته الغالية أوروبا بالدرجة الأولى، وأقول ذلك لأن الأخيرة أصيبت بحالة ارتباك شديد في بمجردّ مُواجهتها لأمواج المُهاجرين المدنيين إليها، ولا أظنّ أنها بالقوة التي تسمح لها بالدخول في مواجهة عسكرية مع حلف ثبُتَ أنه لا يُهادن، وهو مُستعدّ لمُواجهة كلّ السيناريوهات المحتملة، ولا أدلّ على ذلك، من أن روسيا أرسلت صليات من الصواريخ من بحر قزوين، وعبرت أجواء إيران والعراق، إلى أهداف إرهابية في سوريا، ما يعني أن روسيا قائدة هذا الحلف، تبعث برسائل غير مُشفرة للجهة المُقابلة، مُؤدّاها، أنها لن تقبل إلا بالربح في هذه المعركة، ولو كلّفها ذلك استخدام أسلحتها الإستراتيجية.

أمام كلّ هذه السيناريوهات، لا أرى سوى أنّ أمريكا وأوروبا وأتباعهما في المنطقة، سيرضخون للأمر الواقع، ويقبلون بالحل الذي سيضعه الحلف الجديد الذي تقوده روسيا على طاولة المُفاوضات قريبا جدّا.

عبد القادر حبيبي
محام وخريج معهد الدراسات الدبلوماسية والإستراتيجية