صراع الإرادات بين جبابرة العالم وثورات غامضة .

9

ما هو حالنا نحن، يا ترى ؟!

Karim Younes

بعد أن كانت مبرمجة بكل برودة في المخابر الغربية، فإن الاتفاقيات السرية بين فرنسة و بريطانية في عام 1916 و التي كانت تعرف تحت اسم “اتفاق  SYKSE-PICOT” و التي تم “تصحيحها ومراجعتها” بعد الحرب العالمية ألأولى و التي أسفرت إلى الترسيم الجيوسياسي الحالي للعالم الإسلامي الذي بقي غارقا في الفوضى من شمال افريقية إلى الصين، في الشرق ألأدنى في الساحل و العالم ألشرقي في القوقاز و آسيا الوسطى…

وأن تمزق العراق و التهديدات التي تحاك ضد وحدة ليبيا و شبح تفكيك دول منطقة الساحل و تدمير المؤسسات و البنية التحتية المدنية منها و ألعسكرية و تفتيت اللحمة الوطنية و إبادة القيم المؤسسة للدولة، و كل ذلك تطبيقا لبرنامج أو مخطط تم تصميمه من طرف الدول التي تقود هذا العالم منذ انحطاط العالم الإسلامي التي تزامن مع نمو و صعود أوروبا

إن تفوق أو سيطرة القدرة المالية في النظام الاقتصادي تأكد خلال الفترة ما بين الحربين ألعالميتين، فالهيئات الدولية الجديدة التي أنشئت ابتداء من سنة 1945، وكذا ديناميكيات تفكيك الاستعمار في كل من افريقيا وآسيا و أميركة اللاتينية أدت بالقوى الجديدة إلى الاستعداد للحروب بوسائل جديدة.

فظهر مصطلح “سلطة الغذاء” الذي فرض نفسه، و يضاف ذلك إلى التجاوزات التي تم تسجيلها بخصوص متطلبات الديمقراطية.

و نتيجة لذلك تم تأييد و مساندة الأنظمة ألديكتاتورية، كما تم تجميد أسعار المواد الأولية في أدنى مستوياتها، و كذا تشجيع الأنقلابات على السلطة كوسيلة بين أيدي الأقوياء و هو ما كانت تطالبه هيئات و صناديق التمويل، فبذلك تجد المستعمرات القديمة نفسها في شكل جديد من الاستعمار و الاحتلال و قلة الاعتبار و الاحترام.

و نتج عن ذلك تصور خرائط جغرافية جديدة معدلة، هذا ما نعيشه اليوم بخصوص العالم العربي، و هو ما سمي “الربيع العربي”، و لا حاجة هنا للتوضيح أن المملكات و الأمارات الخليجية التي هي نتيجة التعديل الجغرافي السابق الذي سطره الغربيون سوف تستعمل لتحقيق مخطط زعزعة المنطقة برمتها.

قد تم البدء في هذا التصور في إطار “الشرق الأوسط الكبير” المعلن عنه في بداية 2004 من قبل صاحب اللمشروع جورج بوش الذي أقر أنه “ما دام الشرق الأوسط مكانا للطغيان و فقدان الأمل و الغضب، سيواصل توليد رجال و حركات تهدد أمن الولايات المتحدة و حلفائها، لذلك ستواصل أمريكا استراتيجية فرض الحرية في الشرق الأوسط الكبير”،
مؤسسا بذلك لأعادة تشكيل هذا الفضاء الجغرافي و السياسي، و هي استراتيجية تمر حتما عبر تدمير التاريخ المشترك للمنطقة كإسمنت وطني و تعويضها بمعايير عرقية أو دينية التي تستعمل لرسم الحدود الجديدة تكون على حساب البلدان الصغيرة و الضعيفة.

من ثمة، فتفكيك الصومال و تقسيم السودان و كذا زعزعة العراق و بلدان الساحل، و تهديد وحدة ليبيا، كل ذلك يرمي إلى التعفن الاقتصادي في البلدان المستهدفة و زعزعة وحدتها الوطنية و تماسكها، و هو وارد في برنامج أعدته البلدان التي تقود هذا القرن.

و الجدير بالذكر أنه لا توجد أهداف أخرى لدى القوى الغربية سوى السيطرة الكاملة على احتياطات الطاقة أينما وجدت و هو هاجس مرضي عند الذين همهم الوحيد هو التولي على قيادة شؤون كوكبنا و تسيير العالم على مزاجهم باستعباد الشعوب.

إن بداية الألفية الثالثة التي تبدو مليئة بالمخاطر، سجلت التعدي على العديد من البلدان التي تم اغتصابها في وحدتها مثلما كان الأمر فيما يخص يوغسلافيا السابقة، و كذا الأمر فيما يخص روسيا التي تتميز بتنوع سكانها عرقيا و دينيا و التي كثيرا ما تسببت في تيارات و رياح تاريخية، هي تعاني كذلك من الحصار ماليا و سياسيا و عسكريا قصد منعها من تحقيق نهضتها كقوة في المقام الأول.

إيران، هذا البلد الذي عان من حرب دموية في الثمانينات في مواجهة العراق خلال حرب غذتها البلدان الغربية بهدف إضعاف القدرة العسكرية للبلدين، و انجر عن تلك الحرب مقتل ما يقارب المليون شخص، و منعهما من طموحهما كقوات ناشئة من التحكم في الطاقة النووية المدنية ألسلمية و نفس القوات الغربية قد سمحت لأسرائيل من امتلاك القنبلة الذرية !!

إن هذا السلوك هو الرجوع إلى القرنين 16 و 17، أي العصر الذهبي للاستعمار و للنزعة التجارية، و الرجوع إلى إبادة الشعوب و نهب ثرواتها لصالح تنمية الصناعة في الغرب و تموينها بالمواد الخامة.

إن القاسم المشترك لكل هذه الغزوات التي هي عبارة عن فتوحات صليبية حقيقية غيرت شيئا فشيئا خريطة العالم، قد اكتسى طابعا دينيا طارة ليبحث عن السيطرة على الثروات الطبيعية و امتلاكها مع رقابة المناطق التى تحتوى الثروات، طارة أخرى.

طيلة عدة قرون كان الهدف من الاستعمار هو استغلال الثروات الباطية المنجمية منها و الزراعية، لكن و مع قدوم الثورة الصناعية، استوجب الاستهلاك الهائل للطاقة وضرورة السيطرة على مناطقها و رقابة منابعها.

تمثلت المرحلة الأولى في التحكم في تكنولوجية الاستغلال و التحويل و الاستهلاك و ذلك طيلة النصف الأول من القرن العشرين، ثم أصبحت الطاقة و الأمن الطاقوي شيئا فشيئا خلال النصف الثاني من القرن العشرين الأنشغال الرئيسي بالنسبة للقوى العظمى، و أصبحت الآن في قلب كل الأستراتيجيات.

لقد عرف الغرب نموا لقواه بالتزايد مستمر منذ انهيار اسبانيا الأندلسية في القرن الخامس عشر، فبرزت الأمبراتورية الاستعمارية الأسبانية الأولى كقوة صاعدة الى جانب قوة البرتغال في القرنين 15 و 16، لتبلغ ذروتها خلال القرن 18.

استطاعت بريطانيا العظمى و بعدها الولايات المتحدة في نهاية القرن 19، من ولادة العالم الحالي و هو عالم القوى العظمى : بريطانيا-الولايات المتحدة-ألمانيا-فرنسا-النمسا-المجر-إيطاليا، ليتواصل التحكم في مقاليد العالم و السيطرة عليه، و لقد تمت التضحية بكل الحضارات التي لا تنتمي إلى هذه البلدان.

لقد تم وضع الحدود بتأسيسها على مبدأ تقليص حدود العالم الأسلامي و توسيع هيمنة المسيحية بين الشمال و الجنوب، و التأسيس على الخلط بين الدوافع الدينية و المصالح السياسية-الاقتصادية خلال هذه الألفية المتميزة بالهوية.

طيلة الخمسينات إلى السبعينات طالت الشهية الدموية للأقوياء لتصل إلى الهند الصينية و كوريا (حيث وقع 2 إلى 5 ملايين قتيل) و إلى الجزائر (1،5 مليون شهيد)، و الفييتنام و كمبوديا بعدة ملايين قتيل، تضاف إلى كل ذلك 50 مليون ضحية في الحرب العالمية الثانية و كذا الأبادات المرتكبة في أمريكا اللاتينية و اليونان و صربيا و الصين و الهند و الكنكو و بيافرا ….. و القائمة طويلة للجرائم ضد الأنسانية بينما لم يحاسب مركبيها !!

هل لا تزال هناك مبررات لأرتكاب المزيد من الجرائم و من المأساة تحت المسؤولية المباشرة للولايات المتحدة و آخرين ؟

إن قضية فلسطين لا يزال تاريخها لم يوضع له حد بعد و ذلك منذ 1947 و لم ينصف حقها منذ قرار اللورد Arthur James Balfour البريطاني الهادف إلى إرضاء طموحات اليهود الصهيونية، و ذلك بتأسيس على أرض فلسطين “مأوى وطني للشعب اليهودي” و حضي القرار بموافقة البرلمان البريطاني.

و لقد ولدت من هذا القرار المأساة الفلسطينية التي تم تكريسها بتصريح 15 ماي 1948 الذي تم بموجبه ميلاد الدولة اليهودية تحت تسمية “إسرائيل” باعتراف من الولايات المتحدة و الاتحاد السوفيتي، و بسبب التحيز الفادح فإن تصريح الفلسطينيين يوم 23-09-1948 لأعلان حكومتهم لم يحظ بالاعتراف إلى يمنا هذا – أي بعد 67 سنة !!

إن هذا الظلم من الغربيين أفضى إلى ظهور ما يسمى “بالأسلام الراديكالي” الذي أخذ قوته في أفغنستان في الثمانينات بمساعدة المصالح السرية الغربية، و نعيش في السنين الأخيرة تنامي ظاهرة “الأسلاموفوبية” التي إنجرت عنها “فرضية العدو المشترك “: أي الخطر الإسلامي، و تجاوز حدود التصور لتقام المقارنة بين دين الأسلام و النازية.

و بذلك نجد أن كل البلدان الأسلامية، ما عدا تلك التي هي تحت حماية الولايات المتحدة، مهددة بالغرق بما فيها الجزائر، العراق، باكستان، إندونزية…

أسست المؤتمرات الأممية الكبرى على نظام دولي جديد، لكن ما تحصلنا عليه في الواقع هو نظام دولي يعمق الفجوة بين الأغنياء و الفقراء، زادت حدته بسب الأرادة المفرطة في زيادة الثروة لدى الشركات متعددة الجنسيات تحت غطاء ما يسمى بـ “شمولية الاقتصاد” و “العولمة”.
ماذا نقول بخصوص العالم “العربي ألإسلامي” الذي كثيرا ما يتباهى بعصره الذهبي، ألم يتخلى عن المكتسبات العلمية التي طوره في زمن مضى كانت مكدسة لدى حضارات مزدهرة مثل اليونان، الروم، بيزانتة، الفارسية، و استغلتها شعوب أوروبا بتحويل المصطلحات و تثمينها للحصول على تكنولوجيات جديدة مكنتهم من تحقيق نهضتهم؟

هل بإمكاننا أن نستغل الفرصة المتاحة في الوقت الذي يعرف العالم تحولات عميقة ليأخذ أشكالا جديدة، حيث نجد بلدانا كانت متخلفة ثم صاعدت إلى بلدان في طريق النمو فأصبحت اليوم بلدانا بارزة التطور مثلما هو الشأن بالصين التي ستصبح عن قريب بين البلدان العظمى المتقدمة، و تليها كل من الهند، البرازيل، جنوب إفريقية ؟!

أليس بإمكاننا إقامة شراكة استراتيجية مع القوة العالمية الأولة خارج المجال الأمني؟

ألا يمكننا أن نطمح إلى تقاسم تصور جيواستراتيجي و إقامة تحالفات مهيكلة لمواجهة الرهانات و التحديات التي يواجهها العالم في العلاقات الدولية ؟

يمكن أن ننتظر حدوث تغيرات عبر العالم خلال 10 إلى 20 سنة القادمة، سوف تقع خريطة جديدة للدول تفرض علينا، أكيد أنها سوف لن تكون في صالحنا!

إن المخاطر التي تمثلها المجاعة و الحروب الأهلية يمكنها أن تندلع في أي وقت و في أي بلد !! و تمثل تهديدا لاسقراق البلدان و تماسكها الداخلي.

لا يحق علينا أن نغفل، كل بلد يدافع على مصالحه الخاصة، و من يدافع عن مصالحنا نحن؟ البلدان الغربية تنظر إلينا على مقياس مصالحها فقط !
بخصوص الجزائر هناك ثلاثة عوامل أساسية تجلب إهتمام شركائنا الأجانب: الموقع الجغرافي و الاستراتيجي للجزائر في البحر المتوسط و في إفريقية- الفوائد التجارية- ثروات الطاقة لتزويد أوروبا.

الأمر الذي يفرض ضرورة تحديد سياسة جديدة للأنتقال إلى نوع آخر لمصدر الطاقة في آجال بعيدة.

أما ما يمكن أن نسميه بـزوبعة “جيوسياسية” و “جيو-اقتصادية” يظهر جليا أنه لا ينجو منها إلا البلدان التي تستثمر في عبقرية شعوبها و التي تعرف كيف تبني هياكل مؤسساتية تستجيب لطموحات الشعوب في الحرية و الديمقراطية و في الاستقلال السياسي!

ما هو حالنا نحن، يا ترى ؟!

Karim Younes