مالــك بن نبــي… المستشرف المغيَّب

0
126

أميــر نــور / 30 أكتوبر 2014 ()

بتبصّر وبرؤية ثاقبة تنبّأ الأستاذ مالك بن نبي باكراً بوقوع الفوضى العارمة التي يتخبط فيها العالم الإسلامي اليوم، إذ صرح في سنة 1956 بأن “العالم الإسلامي في مرحلة مخيفة من مراحل السديم المتخلق، حيث لم تدخل العناصر كلها في البناء طبقا لنظام خاضع لقوانين محددة، ومن الجائز أن تؤدي مرحلة التخلق إلى نظام إسلامي، أو إلى فوضى شاملة تغرق فيها جميع القيم التي جاء بها القرآن إلى العالم. ولكن القرآن دائما على أهبة الاستعداد لتكرار معجزته.. إن شاء اللّه”.

كما أشار في مقدمة الطبعة الثانية التي وضعها في سنة 1970 لكتابه المتميز “وجهة العالم الإسلامي” إلى أن “الصراع الإيديولوجي قد بلغ ذروته في العالم وأمواجه الجارفة تضرب البلدان الإسلامية (…) ففي الوقت الذي تهبّ فيه أعتى الرياح في التاريخ على العالم، مزيحة من الوجود حكومات متجذرة ومؤسسات عمّرت لآلاف السنين، فإن الإسلام ذاته قد يتزعزع. لقد تعرّض العالم الإسلامي لهزّتي 1948 وجوان 1967. أما الثالثة فستغرقه بالتأكيد، إذا لم يحسب المسلمون حساب الأحداث المأسوية لهذا الزمن واكتفوا فقط بمتابعتها بخطى وئيدة. لقد ولّى ذلك العهد الذي يمكن فيه للمجتمعات أن تعيش في انتظار أن تلاقي يوم ما، صدفة على الطريق، وجهتها التاريخية. اليوم، يجب أن نعرف، وابتداء من الخطوات الأولى، الهدف البعيد الذي نشد إليه الرحال”.

وإلى غاية آخر لحظات عمره، لم يتوان بن نبي عن دق ناقوس الخطر للفت أنظار المسلمين إلى التحديات القائمة والمصاعب التي تحيط بهم. ففي حديث خص به مجموعة من المثقفين التونسيين الذين أدوا زيارة له في منزله بالجزائر، أفاد بما يلي: “إننا نمر بفترة مفصلية ومنعرج حاسم، مما يقتضي القيام بتغييرات ثورية: فإما أن نقوم نحن المسلمين بالتغيير في مجتمعاتنا، وإما طبيعة العصر ستفرض علينا تغييرات من الخارج (…) لأن هذه هي روح العصر. فالذي يجب أن نؤكد عليه أولا وأن تتذكروه دائما هو أننا إذا لم نقم نحن بثورتنا فإن التغيير سوف يأتي من الخارج ويفرض علينا فرضاً”.

هذه الكلمات الصائبة ليست وليدة الحدس، بل هي على العكس نتاج لقراءة مستنيرة وعميقة للأحداث الماضية واستشراف مبني على فكر موضوعي خال من العاطفة فيما يتعلق بالديناميكية الداخلية للمجتمع الإسلامي. وهي كذلك وصية “شاهد القرن”، و«رجل ما قبل البارحة وأكثر من ذلك رجل ما بعد الغد” أخطأ العالم الإسلامي على وجه الخصوص، والعالم أجمع بعدم الإصغاء إليه بالشكل الكافي..

ويتبين لنا اليوم بإعادة قراءة كتابه “وجهة العالم الإسلامي” الذي ألّفه بعد نكبة 1948 أن الإشكالية التي طرحها، تلك التي تخص أسباب انحطاط العالم الإسلامي وسبل ووسائل نهضته، مازالت تحتفظ براهنية حادة.

بعد قيامه بتحليل مفصل لهذا الوضع المتقهقر، لاسيما منذ سقوط دولة الموحدين، التي حكمت المغرب العربي وجزءا من الأندلس إلى غاية نهاية القرن الثالث عشر، استنتج بن نبي أنه “طالما ظل مجتمعنا عاجزا عن تصفية هذه الوراثة السلبية التي أسقطته منذ ستة قرون، ومادام متقاعسا عن تجديد كيان الإنسان طبقا للتعاليم الإسلامية الحقّة، ومناهج العلم الحديثة، فإن سعيه إلى توازن جديد لحياته وتركيب جديد لتاريخه سيكون باطلا عديم الجدوى”.

ويرى المفكر مالك بن نبي أن مأساة العالم الإسلامي المزمنة تتجسد في إنسان ما بعد الموحدين “الذي يتحدى الزمن كرواسب تاريخية ضارة يستحيل القضاء عليها. فالمعضلة الأساسية تضل دون شك لصيقة بالإنسان وهي ليست بحديثة العهد”.

أسبــاب الانحـــطاط

لقد ظهرت الجذور التاريخية التي أدت إلى انحطاط العالم الإسلامي مع أول انفصال تجسد في معركة صفين، في السنة السابعة والثلاثين للهجرة، “عندما استوجب الاختيار بين علي ومعاوية، بين المدينة المنورة ودمشق، بين سلطة الخلافة الديمقراطية والسلطة العصبية”. وكان من نتائج هذا الحدث أن تحطم “ذلك البناء الذي قام لكي يعيش طويلا وربما إلى الأبد بفضل ما تضمن من توازن بين عنصر الروح وعنصر الزمن. ومنذ ذلك الانفصال الأول (…) فقد العالم الإسلامي توازنه الأولي على الرغم من بقاء الفرد المسلم متمسكا، في قرارة نفسه، بعقيدته التي نبض بها قلبه المؤمن”. ونتيجة لذلك “عمّ الفساد المدينة الإسلامية بفعل طواغيت استولوا على السلطة، بعد الخلفاء الأربعة الأوائل. فالمسلم الذي كان له الحق في إبداء الرأي في كل ما يخص مصالح الأمة، ترك مكانه “للرعية التي تنحني أمام التعسف وللمُغازل الذي يمتدحه. فسقوط المدينة الإسلامية كان سقوطاً للمسلم الذي جُرّد من مهمته المقدسة المتمثلة في “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. لقد تحطمت الطاقة التي تحرك ضميره ودخل المجتمع الإسلامي عندئذ تدريجيا في عصر ما بعد الموّحدين حيث أضحت القابلية للاستعمار تستجلب الاستعمار”.

وفي تحليله لظاهرة الاستعمار التي حلّت بالعالم الإسلامي مع مطلع القرن التاسع عشر يقول مالك بن نبي أن الأوروبي “لم يصطحب من العالم المسيحي سوى بعض استعدادات نفسه، تلك النفس الطيبة التي تكشف النظرة الفاحصة داخلها عن مجمع للفضائل الجذبية، تميزت به نفس مُغلقة كثيفة تجاه المسلمين”. لكن “ومهما كان في موقفه من انفصال عن بقية الإنسانية المحتقرة في نظره والتي لا يرى فيها سوى سلّم إلى مجده، فانه قد أنقذ العالم الإسلامي من فوضى القوى الخفية، التي يغرق فيها كل مجتمع يستبدل الخيال الساذج بالروح- ظلّ مشوه لتصورات المعتوهين الذين فقدوا ببعدهم عن معنى الواقع عبقرية الأرض. لقد منح نشاط الأوروبي- إنسان ما بعد الموحدين- إلهاماً جديدا لقيمته الاجتماعية، حين نسف وضعه الاجتماعي الذي كان يعيش فيه راضيا بالدون، وحين سلبه وسائله التي كان يتبطل بها هادئ البال حالما. فإنسان أوروبا قام- دونما قصد– بدور (الديناميت) الذي نسف معسكر الصمت والتأمل والأحلام، وبذلك شعر إنسان ما بعد الموحدين، كما شعر بوذي الصين وبرهمي الهند، بهزة انتفض بعدها مستيقظا”.

وهكذا فقد نشأت “حركات تاريخية أعطت للعالم الإسلامي صورته الراهنة، “هذه الحركات صدرت عن تيارين: تيار الإصلاح الذي ارتبط بالضمير المسلم، وتيار التجديد وهو أقل عمقا وأكثر سطحية، ويمثل مطامح طائفة اجتماعية جديدة تخرجت من المدرسة الغربية”.

إن الحركة الإصلاحية “لم تستطع تغيير النفس الإسلامية، بل لم تستطع أن تُترجم إلى لغة الواقع فكرة (الوظيفة الاجتماعية) للدين، ولكنها- على أي حال- نجحت في إزالة الركود الذي ساد مجتمع ما بعد الموحدين، حين أقحمت في الضمير الإسلامي فكرة مأساته المزمنة. فإذا ما أريد للنهضة أن تبرز إلى عالم الوجود، فان علينا أن نواجه مشكلة الثقافة في أصولها”.

أما الحركة الحديثة فإنها “إن لم تأت بعناصر ثقافية جديدة لعدم اتصالها الواقعي بالحضارة الحديثة، ولانفصالها الفعلي عن ماضي ما بعد الموحدين، فإنها قد خلقت بما جلبت من الغرب تيارا من الأفكار، صالحا للمناقشة، وإليه يرجع الفضل في أنه وضع على بساط البحث جميع المقاييس التقليدية”.

ويلخص بن نبي فوضى العالم الإسلامي المعاصر باعتبارها خليطا ناتجا من بقايا موروثة عن عصر ما بعد الموحدين وأجلاب حديثة غير ناجعة جاء بها تيار الإصلاح وتيار الحركة الحديثة، ما جعل النهضة الإسلامية تختار الطريق الذي يؤمن لها ما تريد من “أشياء وحاجات” بدل أن تبحث عن”الأفكار والوسائل”. ويدين مالك بن نبي ضروب الشلل الخُلقي والاجتماعي والعقلي التي تزيد من حدّة الجمود العام، مثلما ينتفض ضدّ الأعذار الثلاثة المتمثلة في الجهل والفقر والاستعمار.

شــروط النهضــة

وعن السبل التي ينبغي انتهاجها- والتي تناولها بإسهاب في كتابه “شروط النهضة”- يرى بن نبي أن على العالم الإسلامي التخلص من قابليته للاستعمار وإيجاد أنواره في ذاته نفسها لأن “أوروبا التي كان عليها أن تهدي سعي الإنسانية، قد اتخذت من مشاعل الحضارة (فتيلا) يحرق بدل أن يضيء، وفي ضوء ما أشعلت من نار أشاعت وهجها في المستعمرات حتى جارت على أرضها هي؛ أوروبا هذه رأينا الفوضى تنتشر فيها، الفوضى نفسها التي أشاعتها في أجزاء الأرض والضلال نفسه. بل إنها قد تجرعت الكأس المحتومة نفسها؛ كأس الاستسلام لقوى الشر الأسطورية (…) “أيّا كانت وجهة الأمر، فإن العالم الإسلامي لا يستطيع في غمرة هذه الفوضى أن يجد هداه خارج حدوده، بل لا يمكنه في كل حال أن يلتمسه في العالم الغربي الذي اقتربت قيامته، ولكن عليه أن يبحث عن طرق جديدة ليكشف عن ينابيع إلهامه الخاصة. ومهما يكن شأن الطرق الجديدة التي قد يقبسها، فإن العالم الإسلامي لا يمكنه أن يعيش في عزلة، بينما العالم يتجه في سعيه إلى التوحد، فليس المراد أن يقطع علاقاته بحضارة تمثل ولا شك إحدى التجارب الإنسانية الكبرى، بل المهم أن ينظم هذه العلاقات معها”.

لقد بات واضحا اليوم أنه لا مناص من تغيير الإنسان المسلم وإعادة بناء التنظيم السياسي في العالم الإسلامي على أساس التضامن قصد التمكن من مواجهة التحديات التي تفرضها العولمة. إن الرّافعة اللازمة لإعادة التشكيل هذه، يقول بن نبي، “لا يمكن أن تكون ذات أثر خلاّق إلا إذا قامت على أساس “المؤاخاة” بين المسلمين (وهي التي تقوم على فعل ديناميكي)، لا على أساس “الأخوة” الإسلامية (التي هي عنوان لمعنى مجرد أو شعور تحجر في نطاق الأدبيات). والمؤاخاة الفعلية هي الأساس الذي قام عليه المجتمع الإسلامي مجتمع المهاجرين والأنصار”.

ولقد شرح بن نبي هذه الفكرة أكثر في كتاب عنونه بـ«فكرة كمنويلث إسلامي”، وبيّن في تقديم حرره عام 1971 الأسباب التي دفعته إلى تأليف هذا الكتاب قائلا: “لقد صدرت الطبعة الأولى لهذه الدراسة قبل أكثر من عشر سنوات، في وقت كان يمكن اعتبارها، وفق منظور “الواقعية” التي لازالت تطبع بعض السياسات القصيرة النظر المنتهجة في العالم الإسلامي، على أنها خيال يطارد فكر رجل مثالي. ولهذا السبب فقد مرت هذه الدراسة دون أن تحظى بالاهتمام الكافي، إلا من جانب أخصائيي الصراع الأيديولوجي الذين لا يمكنهم أن يدعوا أي فكرة جيوسياسية ذات أهمية تمر دون العمل على الحط من قيمتها بطرق مكيافيلية، هذا إن لم يقدروا على اقتحامها والسيطرة عليها بأساليب شيطانية”. لاشك أن بن نبي كان يشير هنا إلى “فكرة الإفريقية الآسيوية” المتضمنة في كتاب قيّم، والتي نجح أخصائيو الصراع الإيديولوجي في إجهاضها في المهد.

ثم وضّح بن نبي أنه إذا كان قد استقى نموذجه من مثال موجود فعلا، وهو الكمنويلث البريطاني، فإن مواطن الاختلاف عديدة بين النموذجين. من ذلك أن المثال البريطاني “يتجسد في شخص هو جلالة الملك أو الملكة” بينما في النموذج الاسلامي يجب أن تكون الرابطة العضوية “مشخصة في فكرة، هي الإسلام”.

ومن ذلك أيضا أنه إذا كان النموذج الأول قد ظهر إلى الوجود وسط الظروف الجيوسياسية التي تلت الحرب العالمية الأولى تجسد في “تغير حتّمته هذه الظروف على الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية”، فإن النموذج الثاني “يجب أن يولد في صورة حضارة متجددة وليس كشكل جديد من أشكال الإمبراطوريات”.

وعلاوة على هذا، فإن الكمنويلث الإسلامي “لا يجب أن ينظر إليه على أنه مجرد هيكل سياسي واقتصادي واستراتيجي يتلاءم وموازين القوى الجديدة في العالم، كما هي الحال بالنسبة للنموذج البريطاني، بل يجب اعتباره كهيكل أخلاقي وثقافي ضروري ليس فقط لفك عقدة الأزمة التي تعيشها البلدان الإسلامية، بل كذلك لمعالجة الأزمة الروحية التي تعاني منها الإنسانية جمعاء”.

على ضوء ما سبق ذكره، أليس حريّا بالحكام والنخب، وحتى جمهور العوام من المسلمين على حد سواء أن يعيدوا قراءة التأملات الفكرية التي تركها هذا المستشرف المغيّب، والاسترشاد بها لإيجاد حلول ناجعة لأزماتهم المستكانة التي طال أمدها واستعصى حلها.

أما نحن، فلا يساورنا أدنى شك بأن العالم الإسلامي اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى استرجاع “مؤاخاته” التي هي السبيل الأوحد لدرء الفتنة الكبرى التي تهدد بنسف الأسس التي قام عليها. ولا ريب أن التضامن والحوار بين مختلف مكونات المجتمع الإسلامي هما وحدهما الدعامتان الكفيلتان بضمان صحة وسلامة هذا المجتمع، مثلما هو الحال بالنسبة لسلامة العالم كله “تحالف الحضارات للأمم المتحدة” الذي يتبنى شعار “ ثقافات متعددة، إنسانية واحدة”.

باحث في العلاقات الدولية*